Language Selection

Get healthy now with MedBeds!
Click here to book your session

Protect your whole family with Orgo-Life® Quantum MedBed Energy Technology® devices.

Advertising by Adpathway

         

 Advertising by Adpathway

صناعة الإفلات من العقاب غزّة ولبنان وهندسةُ عنفِ الدولة — كيف يُؤمِّن جهازٌ سياسيٌّ جرائمَه ويستولي على القوّة الأمريكيّة

2 weeks ago 7

PROTECT YOUR DNA WITH QUANTUM TECHNOLOGY

Orgo-Life the new way to the future

  Advertising by Adpathway

خطٌّ واحدٌ يَحكم كلَّ ما يلي، لأنّه يفصل التحليلَ عن الافتراء. ليست هذه قضيّةَ شعبٍ، ولا دينٍ، ولا طبيعةٍ مزعومة. إنّها قضيّةُ دولةٍ، وحكومةٍ بعينها، وجهازٍ أيديولوجيٍّ بيّنِ المعالم، وائتلافاتٍ سياسيّةٍ تُنظِّم إفلاتَه من العقاب، من واشنطن إلى لاهاي. وليس هذا التمييزُ مجاملةً، بل هو شرطُ الصرامة. فالخلطُ بين سياسة دولةٍ وجوهرِ شعبٍ هو ارتكابُ الخطأ عينِه الذي نزعم إدانتَه — ومنحُ المتَّهَم المَهربَ الذي ينتظره. سَمِّ بدقّة، يصمُدِ الحُكم.

في عام 2026، لم يعُدِ السؤال هو هل تُرتكَب الجرائم؛ فقد حسم ذلك تقاطعٌ غيرُ مسبوقٍ بين هيئاتٍ مستقلّة. السؤال هو: بأيّ آليّةٍ تنجح دولةٌ في ارتكابها على مرأى من الجميع، وتُنظِّر لها، وتُكرِّرها من مسرحٍ إلى آخر، وتظفَر بضمانةِ أعظمِ قوّةٍ في العالم. تلك هي الآليّةُ التي ينبغي تشريحُها.

pastedGraphic.png

الجريمة، مُسمّاةً

نقطةُ التحوّل ليست بلاغيّةً، بل قانونيّة. في السادس عشر من سبتمبر 2025، خلصت لجنةُ التحقيق الدوليّةُ المستقلّةُ التابعةُ للأمم المتّحدة، المعنيّةُ بالأرض الفلسطينيّة المحتلّة — برئاسة نافي بيلاي، المفوّضةِ الساميةِ السابقةِ لحقوق الإنسان والقاضيةِ السابقةِ في المحكمة الجنائيّة الدوليّة — إلى أنّ دولةَ إسرائيل ترتكب إبادةً جماعيّةً في غزّة (التقرير A/HRC/60/CRP.3). وقد أثبتت اللجنةُ أربعةً من الأفعال الخمسة المنصوص عليها في المادّة الثانية من اتّفاقيّة 1948: القتلَ؛ وإلحاقَ الأذى الجسديّ أو النفسيّ الجسيم؛ والإخضاعَ المتعمَّد لظروفٍ معيشيّةٍ يُقصَد بها تدميرُ الجماعة؛ والتدابيرَ الرامية إلى منع الإنجاب — وهو المحورُ الذي اقترحتُ تسميتَه “الإبادةَ الإنجابيّة” (reprocide).

وما يجعل التقريرَ حاسماً أنّه يتجاوز أصعبَ عتبةٍ في القانون الجنائيّ: القصدَ الخاصّ (dolus specialis)، أي نيّةَ تدميرِ الجماعة بوصفها كذلك. فبتطبيق معيار “الاستنتاج المعقول الوحيد” الذي أرسته محكمةُ العدل الدوليّة في قضيّة البوسنة ضدّ صربيا، ترى اللجنةُ أنّ تصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليّين دليلٌ مباشرٌ على ذلك القصد. وتُسمّي رئيسَ الوزراء نتنياهو، والرئيسَ هرتسوغ، ووزيرَ الدفاع الأسبق غالانت. ففي التاسع من أكتوبر 2023، أعلن هذا الأخيرُ الحصارَ الشاملَ على القطاع بهذه العبارة: “إنّنا نقاتل حيواناتٍ بشريّةً ونتصرّف وفقاً لذلك”. يذهب بعضُهم إلى أنّه كان يقصد المقاتلين وحدَهم. غير أنّ السياقَ المباشر — قطعَ الماء والغذاء والكهرباء والوقود عن 2.3 مليون إنسان — حمل اللجنةَ، وكثيراً من فقهاء القانون، على قراءتها وسْماً لشعبٍ بأكمله.

وليس هذا التوصيفُ معزولاً؛ بل يندرج في سلسلة. فمحكمةُ العدل الدوليّة، إذ رُفِعت إليها دعوى جنوبِ إفريقيا، قضت منذ يناير 2024 بأنّ المساسَ بالحقوق التي تحميها الاتّفاقيّةُ “محتمَلٌ على نحوٍ معقول”، وأمرت بتدابيرَ تحفّظيّة. وخلصت منظّمةُ العفو الدوليّة إلى الإبادة في ديسمبر 2024. وفعلت الرابطةُ الدوليّةُ لباحثي الإبادات الأمرَ نفسه في أغسطس 2025. وأصدرت المحكمةُ الجنائيّةُ الدوليّة، في نوفمبر 2024، مذكّرتَي توقيفٍ بحقّ نتنياهو وغالانت، بتُهَمِ جرائمَ ضدّ الإنسانيّة وجرائمِ حرب، منها التجويعُ أسلوباً من أساليب الحرب. وكانت المحكمةُ قد أعلنت، في رأيها الاستشاريّ الصادر في 19 يوليو 2024، عدمَ مشروعيّة الاحتلال.

وتقتضي الأمانةُ ذكرَ ما لم تَقُلْه هذه الهيئات. فمحكمةُ العدل لم تفصل في الموضوع بعد؛ وستمتدّ الإجراءاتُ إلى عام 2029 على الأقلّ. ويبقى توصيفُ “الإبادة” محلَّ نزاعٍ قانونيّ: إذ يرى فقهاءُ جادّون فيه جرائمَ حربٍ وجرائمَ ضدّ الإنسانيّة دون أن تبلغ — في نظرهم — عتبةَ القصد الخاصّ. وتَعرِض إسرائيلُ دفاعاً متماسكاً في منطقه: حربَ دفاعٍ عن النفس عقب مجزرة السابع من أكتوبر 2023 — نحو 1200 قتيلٍ ونحو 250 رهينة — ضدّ تنظيمٍ يتعمّد التوغّلَ في النسيج المدنيّ.

هذه وقائعُ حقيقيّة، وبإدراجها في التحليل يغدو دامغاً. إذ ليس فيها ما يُبيح حصارَ شعبٍ بأكمله، ولا التدميرَ المنهجيَّ لمنظومة الصحّة، ولا التهجيرَ القسريَّ المفروضَ على القطاع كلِّه تقريباً، ولا تحويلَ المساعدات إلى “واجهةٍ” — بحسب تعبير اللجنة — تُخفي سياسةَ تجويع. وقد أحصت وزارةُ الصحّة في غزّة، حتّى مطلع يوليو 2026، أكثرَ من 73 ألف قتيلٍ وأكثرَ من 173 ألف جريح، وهي أرقامٌ تنازعها إسرائيل. وهنا ينطبق مفهومُ أشيل مبيمبي دونما تكلّف: لا سلطةُ الإحياء، بل “سياسةُ الموت” (nécropolitique) — سلطةُ السيّد في تعيين مَن يُستهان بحياته، وفي إدارة الموت أداةً للحُكم.

pastedGraphic.png

المُحرِّك

للجريمة الرسميّة نَسَبٌ فكريّ. والحكومةُ الإسرائيليّةُ الراهنةُ ملتقى تيّارَين طال افتراقُهما.

الأوّلُ هو الصهيونيّةُ التصحيحيّة (Revisionist) لفلاديمير جابوتنسكي، المرجعيّةُ العلمانيّةُ القوميّةُ التي يُعَدّ نتنياهو وريثَها المباشر — فقد كان أبوه بن صهيون سكرتيراً لجابوتنسكي. ومبدؤها، “الجدارُ الحديديّ”، يقوم على أنّ الاستيطان لا يتحقّق إلّا بقوّةٍ لا يقدر السكّانُ الأصليّون على كسرها أبداً. إنّه فكرُ موازين القوى والتوسّع الإقليميّ الأقصى.

والثاني هو الكاهانيّةُ، لاهوتُ الإبادة عند الحاخام مائير كاهانا، الذي صُنِّف حزبُه “كاخ” منظّمةً إرهابيّةً وحُظِر. أمّا وريثُه المؤسّسيّ، إيتمار بن غفير — وزيرُ الأمن القوميّ، المُدانُ بالتحريض على العنصريّة وبدعم منظّمةٍ إرهابيّة، والذي علّق سنواتٍ في بيته صورةَ باروخ غولدشتاين، مرتكبِ مجزرة الخليل — فقد نقل هذه الأيديولوجيا من الإرهاب المحظور إلى السلطة السياديّة. وإلى جانبه، يجسِّد بتسلئيل سموتريتش الجناحَ المشيحانيّ الاستيطانيّ.

والأمرُ الحاسم أنّ نتنياهو، الصهيونيَّ العلمانيّ، كان “الناقلَ” السياسيّ لهذا التطبيع. فهو الذي دبّر، في 2021–2022، حرصاً على بقائه، الاندماجَ الذي أدخل هذه التيّارات إلى الحكومة. مسؤوليّتُه ليست عقائديّةً بل أداتيّة — وهذا بالضبط ما يجعلها بلا دفاع. لقد التقى الاستراتيجيُّ البارد بالمتعصِّب المشيحانيّ.

وهذا التقاطعُ يُنتج اللغةَ التي تصير، أمام القضاء، دليلَ القصد. فحين يطالب وزراءُ بالمحو والترحيل والضمّ، فإنّهم لا يُدلون برأيٍ؛ بل يوثِّقون مشروعاً. غير أنّ علينا أن نميِّز، كمحلِّلين نزيهين: هذا المشروعُ مُدانٌ من شطرٍ كبيرٍ من العالم اليهوديّ والحاخاميّ نفسِه، إذ ندّدت كبرى مرجعيّاته بالنصوص التفوّقيّة لهذا التيّار بوصفها عنصريّة. إنّه تيّارٌ سياسيٌّ محدَّدٌ، لا شعبٌ، هو مَن استولى على جهاز الدولة. وهذا التدقيقُ هو قوّتُك، لا ضعفُك.

pastedGraphic.png

المنهج

ما يجري في لبنان يكشف عقيدةً، لا انفلاتاً — فكراً عسكريّاً مُعلَناً في التفاوت المفرط.

فـ“عقيدةُ الضاحية”، التي صيغت بعد 2006 ونُسِبت إلى ضاحية بيروت الجنوبيّة التي سُوِّيت بالأرض في ذلك العام، تقضي باستخدام قوّةٍ هائلةٍ غيرِ متناسبة، وبالاستهداف المتعمَّد للمدنيّين والبنى المدنيّة، لفرض “ردعٍ” دائم. وهذا، في القانون، هو تعريفُ العقاب الجماعيّ: جريمةُ حربٍ رُفِعت إلى مرتبة المنهج.

وكان التطبيقُ منهجيّاً. ففي سبتمبر 2024، قتلت عمليّةُ أجهزة النداء المُفخَّخة — آلافُ العبوات المخبَّأة في أجهزة اتّصالٍ فُجِّرت دفعةً واحدة — نحو أربعين شخصاً، بينهم مدنيّون، وأصابت نحو أربعة آلاف. وهي بطبيعتها عمليّةٌ عشوائيّة: لا أحدَ يتحكّم في هويّة مَن يمسك الجهازَ لحظةَ الانفجار. ثمّ جاء اغتيالُ حسن نصر الله، تحت أكثرَ من ثمانين قنبلة، منها ذخائرُ خارقةٌ للتحصينات زِنةَ ألفَي رطلٍ أمريكيّةُ الصنع، في حيٍّ سكنيّ. وأودت حربُ 2024، بحسب وزارة الصحّة اللبنانيّة، بنحو 2720 قتيلاً في لبنان، معظمُهم مدنيّون، وشرّدت أكثرَ من 1.2 مليون إنسان.

وتكشَّف وقفُ إطلاق النار في نوفمبر 2024 عن كونه وهماً. فقد وثّقت قوّةُ “اليونيفيل” أكثرَ من عشرة آلاف خرقٍ إسرائيليّ. وتواصلت الغاراتُ “شبهَ يوميّة”، فأوقعت مئاتِ القتلى أثناء الهدنة. ورفضت إسرائيلُ الانسحابَ الكامل، محتفظةً بخمسة مواقعَ في الأراضي اللبنانيّة. ثمّ، في 2026، تحت غطاء الحرب على إيران، استُؤنف التصعيدُ وسقط القناع. ففي مارس، هدّد الوزيرُ سموتريتش بقصف ضاحية بيروت الجنوبيّة حتّى تغدوَ كخان يونس — تلك المدينةِ الغزّيّةِ التي كادت تُمحى. لم تعُدِ العقيدةُ تختبئ: صارت تُشهِر نفسها نموذجاً قابلاً للتصدير.

وتقتضي النزاهةُ ذكرَ الوجه الآخر. فحزبُ الله أطلق النارَ على شمال إسرائيل منذ الثامن من أكتوبر 2023، وخرق الهدنةَ بإعادة بناء ترسانته، واستأنف قصفَه في 2026. هذه وقائعُ ثابتة. لكنّها لا تُحيل عقاباً جماعيّاً موثَّقاً إلى فعلٍ حربيٍّ مشروع — وهذا بالضبط هو الالتباسُ الذي صُمِّمت عقيدةُ الضاحية لترسيخه.

pastedGraphic.png

التصميم

ليست غزّةُ ولبنانُ حادثتَين منفصلتَين؛ بل وجهان لتصميمٍ واحد. والخيطُ الناظمُ هو السعيُ إلى “احتكارٍ استراتيجيّ” إقليميّ — تفوّقٍ عسكريٍّ دائم، وتحييدٍ منهجيٍّ لكلّ فاعلٍ قد ينازعه.

وهذه القراءةُ تُضيء تسلسلَ 2026: الحربَ على إيران، واغتيالَ المرشد الأعلى، وتفتيتَ ما كانت طهرانُ تسمّيه “محورَ المقاومة”. فحماسُ مقطوعةُ الرأس، وحزبُ الله مبتورُ القيادة، والممرُّ السوريُّ منهار. يُضاف إلى ذلك الزحفُ الإقليميّ: مواقعُ مُبقاةٌ في جنوب لبنان، واحتلالٌ مستمرٌّ للجولان، ودَفعةُ ضمٍّ في الضفّة الغربيّة. الخيطُ متماسك: إقفالُ المنطقة في تفاوتٍ لا رجعةَ فيه.

وعلينا أن نحذر هنا من سهولةٍ. فهذا التصميمُ ليس وليدَ إرادةٍ خفيّة. إنّه الغايةُ المنطقيّةُ لـ”جدار جابوتنسكي الحديديّ“، منقولاً من المستوى المحلّيّ إلى الإقليميّ — عقيدةً معلَنةً منذ قرن، دُفِعت إلى منتهاها على يد حكومةٍ مزجت التوسّعَ الإقليميَّ الأقصى باللاهوت المشيحانيّ. والجديدُ ليس في القصد، بل في “الإفلاتِ من العقاب” الذي يُتيح تحقيقَه. ولهذا الإفلاتِ عنوان: واشنطن.

pastedGraphic.png

الضامن

هذه أدقُّ نقطة، ولذلك أشدُّها حاجةً إلى الصرامة. فهنا يتشابه التحليلُ المشروعُ والوهمُ التآمريُّ، مع كونهما نقيضَين. والفارقُ يكمن في كلمةٍ واحدة: “المؤسّسات”. لسنا إزاء سلطةٍ خفيّة، بل إزاء آليّاتٍ مكشوفةٍ، موثَّقةٍ، قابلةٍ للقياس — سياسةِ المصالح في أكثر صورها اعتياديّة.

والمرجعُ الأكاديميُّ ليس هامشيّاً ولا مريباً: كتابُ اللوبي الإسرائيليّ والسياسة الخارجيّة الأمريكيّة (2007) لجون ميرشايمر (جامعة شيكاغو) وستيفن والت (جامعة هارفارد). وأطروحتُهما أنّ المستوى الاستثنائيّ للدعم الأمريكيّ “لا يمكن تفسيرُه تفسيراً كاملاً، لا على أسسٍ استراتيجيّة ولا أخلاقيّة”. وتتفرّع عن ذلك ثلاثُ ملاحظاتٍ، كلٌّ منها يقي من الانزلاق.

أوّلاً، الائتلافُ ليس يهوديّاً ولا سرّيّاً — بل تعدّديٌّ وعلنيّ. فميرشايمر ووالت صريحان: هذا اللوبي يعمل كسائر جماعات المصالح العرقيّة، كلوبي المزارعين أو جمعيّة السلاح الوطنيّة. ويُصنَّف “آيباك” بين أقوى لوبيات واشنطن؛ لكنّ الائتلاف يضمّ، بكثافة، “الإنجيليّين الصهاينةَ المسيحيّين” الذين يرَون توسّعَ إسرائيل تحقيقاً لنبوءةٍ توراتيّة — وهو ما أسمّيه “التأطيرَ الجيوثيولوجيّ” — إلى جانب محافظين جُددٍ من غير اليهود.

توطينُ المشكلة في جهازٍ سياسيٍّ دينيٍّ مركَّب، لا في هويّة، ليس تنازلاً: بل هو ما يجعل الاتّهامَ صحيحاً.

ثانياً، الأدواتُ قابلةٌ للإحصاء وراهنة. فالولاياتُ المتّحدة هي، منذ 1970، أكثرُ الدول استخداماً لحقّ النقض في مجلس الأمن، وأساساً لحماية إسرائيل: فمن أصل 89 فيتو أمريكيّاً، استُخدم 51 لهذا الغرض (بيانات الأمم المتّحدة، أبريل 2026)، ستّةٌ منها على الأقلّ منذ أكتوبر 2023 لتعطيل وقفٍ لإطلاق النار في غزّة. وتتجاوز المساعداتُ العسكريّةُ ثلاثةَ مليارات دولارٍ سنويّاً.

وهذا الدعمُ “مكوِّنٌ ماديٌّ” للجريمة. فالقنابلُ التي سحقت حيّاً في بيروت كانت أمريكيّة؛ وقد أشارت لجنةُ التحقيق الأمميّةُ صراحةً إلى نقل السلاح ووقود الطائرات بوصفه ناقلاً للتواطؤ، ودعت الدولَ إلى وقفه. ميرشايمر ووالت يقدّمان الإطار؛ أمّا فيتوات 2024–2025 وشحناتُ 2026 فتُقيم الدليل.

الاعتراضُ وحدودُه

وهنا يجب مواجهةُ الاعتراض الأقوى — بِبُرودة. فشطرٌ كبيرٌ من الدعم الغربيّ صادقٌ ولا شيءَ فيه من التلاعب: ذاكرةُ المحرقة؛ والتماهي مع دولةٍ تقدّم نفسها الديمقراطيّةَ الوحيدةَ في المنطقة؛ والقيمةُ الاستراتيجيّةُ الحقيقيّةُ لحليف؛ وميلٌ انتخابيٌّ صادقٌ في الرأي العامّ الأمريكيّ. وردُّ هذا كلِّه إلى “استيلاءٍ” خطأٌ.

لكنّ صدقَ الشعور لا يفسّر الشكلَ الذي تتّخذه السياسة — لا الفيتو في وجه مجلسٍ شبهِ مُجمِع، ولا تسليمَ الذخائر عينِها التي تسمّيها الأممُ المتّحدة تواطؤاً. هنا بالضبط يعمل التنظيم: اللوبي لا يصنع الشعور، بل يُقنِّيه، محوِّلاً تعاطفاً منتشراً إلى انضباطٍ برلمانيٍّ وتماهٍ آليّ. والتلاعبُ، إن صحّت الكلمة، لا يخترع الالتصاق؛ بل يترجم التصاقاً حقيقيّاً إلى سياسةٍ لا تُمليها المصلحةُ القوميّةُ وحدَها.

ولأنّ التحليل يجب أن يقطع في الاتّجاهَين، فأطروحةُ ميرشايمر ووالت “محلُّ نزاع”. إذ يعترض ستيفن زونس بأنّ صناعتَي النفط والسلاح تُشكِّلان سياسةَ الشرق الأوسط بمعزلٍ عن أيّ لوبي. والحقيقةُ على الأرجح تراكميّة: المصلحةُ الاستراتيجيّة، وتجارةُ السلاح، والتقاربُ الأيديولوجيّ، والضغطُ المنظَّم يعزِّز بعضُها بعضاً. ولا شيءَ من ذلك يُذيب الحقيقةَ المركزيّة — أنّ الاصطفاف يتجاوز ما تبرِّره المصلحةُ القوميّةُ الأمريكيّةُ وحدَها.

pastedGraphic.png

النظام

لنجمع الخيوط. في غزّة، ما تسمّيه أربعُ هيئاتٍ مستقلّةٍ إبادةً. وفي لبنان، عقيدةٌ معلَنةٌ للعقاب الجماعيّ، تُقدَّم نموذجاً. وفي الإقليم، تصميمُ احتكارٍ استراتيجيٍّ موروثٍ عن الجدار الحديديّ، مُتطرِّفٌ بفعل اندماجٍ أيديولوجيٍّ غيرِ مسبوق. ومن فوق ذلك كلِّه، جهازُ نفوذٍ ينتفع من التأجيل في لاهاي، ويُلقي الفيتوات في نيويورك، ويُورِّد القنابلَ والسرديّةَ في واشنطن.

هذا هو النظام: الإفلاتُ من العقاب ليس غياباً للقانون، بل “إنتاجٌ” فاعل. فالقانونُ الدوليُّ قائم — محكمةُ العدل تأمر، والجنائيّةُ الدوليّةُ تتّهم، والأممُ المتّحدة توثِّق — لكنّه يُحيَّد قبل تنفيذه على يد القوّة الوحيدة القادرة على إنفاذه، والرافضةِ لذلك.

رأى فرانز فانون أنّ المُستعمَر هو، أوّلاً، مَن لا يُحسَب موتُه في دفتر المستعمِر. وتمدّ سلسلةُ 2023–2026 هذا الدفترَ إلى إقليمٍ بأكمله، وتُبيّن أنّ النظامَ القانونيَّ الذي أُقيم عام 1945 يمكن تعليقُه — لا بنفيه، بل بـ“شَلِّه المنظَّم”. والرهانُ يتجاوز فلسطينَ ولبنانَ وإيران: إنّه بقاءُ فكرةِ أنّ ثمّة قانوناً فوق القوّة. فإذا استطاعت دولةٌ أن ترتكب، على مرأى من الجميع، ما تسمّيه أرفعُ الهيئات جرائمَ، مستحوذةً على ضمانة أعظمِ قوّةٍ في العالم، فليس شعبٌ وحدَه هو المستهدَف. بل مبدأُ إنسانيّةٍ مشتركةٍ خاضعةٍ لقانونٍ واحد.

إنّ تسميةَ هذا الجهاز بدقّة — دولةٌ، وحكومةٌ، وعقيدةٌ، وائتلافُ مصالح — رفضٌ لتواطؤ الصمت ولفخّ التعميم معاً. إنّه الموقفُ الوحيدُ الذي يصمُد، والوحيدُ الذي ما زال مُجدياً. فما يُصنَع في غزّة ليس نصراً عسكريّاً يزول، بل سابقةٌ تبقى: أنّ دولةً تستطيع أن تَقتل في وضح النهار، وتُسمَّى أفعالُها جرائمَ، ثمّ لا تُعاقَب.

pastedGraphic.png

ملحق — 4 يوليو 2026: العقيدة، مُعلَنةً

منذ تحرير هذا النصّ، قدّم قادةُ إسرائيل ما يُعَدّ، بالنسبة إلى المحلِّل، أثمنَ اعتراف: لقد سمَّوا العقيدة.

في الأوّل من يوليو 2026، تحدّث وزيرُ الدفاع إسرائيل كاتس — خلَفُ غالانت — في مراسمَ لتأبين جنودٍ سقطوا عام 2006. وقال إنّ الجيشَ الإسرائيليّ “سيبقى في المناطق الأمنيّة في لبنان وسوريا وغزّة إلى أجلٍ غير مسمّى”؛ وإنّه “لن ينسحب”. وأعاد رئيسُ الوزراء نتنياهو التأكيدَ أنْ لا انسحابَ من جنوب لبنان ما لم يُنزَع سلاحُ حزب الله. وتسيطر إسرائيلُ اليومَ على نحو 1000 كيلومترٍ مربّعٍ موزَّعةٍ بين غزّة ولبنان وسوريا.

وما وصفه فصلُ “التصميم” تصميماً صار يُقرأ الآن في كلمات أصحابه: احتلالٌ بلا جدولٍ زمنيٍّ للانسحاب، يُقدَّم “دفاعاً عن الحدود”. وهنا يلزم التحفّظ — وهو تحفّظُك: مشروعيّةُ الاحتلال شأنُ القضاء، لا المحلِّل. ويكفي أن نذكّر بأنّ محكمةَ العدل قد فصلت في الأرض الفلسطينيّة، إذ أعلن رأيُها الصادرُ في 19 يوليو 2024 عدمَ مشروعيّة الاحتلال؛ أمّا المناطقُ المستولى عليها في لبنان وسوريا، فتوصيفُها لم يأتِ بعد. غير أنّ التصريحَ السياسيَّ حاصلٌ، وهو صادرٌ عن الوزراء أنفسهم.

وأمرانِ يضاعفان خطورتَه. أوّلُهما أنّ مكتبَ الأمم المتّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيّة (أوتشا) أفاد، في الأيّام الأخيرة، بتوسّعٍ جديدٍ للمناطق الخاضعة للسيطرة العسكريّة في غزّة، ممّا يقلِّص المساحةَ المتروكةَ للمدنيّين ويُعيق إيصالَ المساعدات — مع بقاء النزوح والوصول إلى الماء والعلاج والغذاء في وضعٍ حرج. وثانيهما يتّصل مباشرةً بدور واشنطن. فكاتس يؤكّد أنّ مبدأَ عدم الانسحاب من “المناطق الأمنيّة الثلاث” قد قبلته الولاياتُ المتّحدة وأُدرج في الملحق العسكريّ لاتّفاق الإطار الإسرائيليّ اللبنانيّ، الموقَّعِ في واشنطن في 26 يونيو 2026، والمُقَرِّ مع قائد القيادة المركزيّة الأمريكيّة. فالاحتلالُ المُطوَّل ليس مجرّدَ أمرٍ تتغاضى عنه واشنطن: بل هو مُوثَّقٌ تعاقديّاً بها.

وأمّا الحصائل، حتّى 4 يوليو 2026: ففي غزّة، أكثرُ من 73 ألف قتيلٍ وأكثرُ من 173 ألف جريحٍ منذ أكتوبر 2023، بحسب وزارة الصحّة في غزّة — وإسرائيلُ تحتلّ اليومَ ما بين نصفِ القطاع وقرابةِ سبعين في المئة منه. وفي لبنان، لطورِ الحرب المفتوحِ في الثاني من مارس 2026 وحدَه، 4301 قتيلٍ و12199 جريحاً بحسب وزارة الصحّة اللبنانيّة (حصيلةُ 3 يوليو)، تُضاف إلى نحو 2720 قتيلاً في حرب 2024؛ وقد عاد نحو 400 ألف نازحٍ إلى قراهم، فيما بقي عشراتُ الآلاف بلا مأوى. وهذه الأرقامُ، بحكم طبيعتها المؤقّتة، تتبدّل مع كلّ تحديثٍ، ومع كلّ جثمانٍ يُنتشَل من الركام.

وبعد الألف

ألفَ يومٍ ظلّ الجُرمُ يُوصَف ويُنازَع ويُؤجَّل — القصدُ مُستنتَجاً، والاحتلالُ مُنكَراً، والحصيلةُ مُتنازَعاً عليها. وفي اليوم الواحدِ بعد الألف، قالها الوزيرُ بلا زخرف: لن ينسحبوا. لقد كفّ الجهازُ عن التواري، وكادت مهمّةُ المحلِّل تكتمل. ويبقى السؤالُ الذي لم تُجب عنه محكمةٌ ولا عاصمةٌ بمثل هذا الوضوح: هل سيُسمَح يوماً للقانون الذي يسمّي هذه الأفعالَ بأن يبلغها؟

ألفُ يومٍ ليست ذكرى تُحيا. إنّها عدٌّ تنازليٌّ لم يرضَ أحدٌ بإيقافه — وما يقيسه أقدمُ وأوسعُ من غزّة: هل يبقى القانونُ بعد القوّة، أم صار مجرّدَ لغةٍ يرضى الأقوياءُ بالتحدّث بها حين لا تُكلِّفهم شيئاً.

سيُرفَع الرُّكام؛ أمّا السابقةُ فلا.

*

المصادر والمراجع

  • محكمة العدل الدوليّة، تطبيق اتّفاقيّة منع الإبادة الجماعيّة في قطاع غزّة (جنوب إفريقيا ضدّ إسرائيل)، القضيّة رقم 192 — التدابير التحفّظيّة (26 يناير، 28 مارس، 24 مايو 2024)؛ الدعوى في الموضوع قيد النظر (icj-cij.org/case/192).
  • محكمة العدل الدوليّة، الرأي الاستشاريّ في النتائج القانونيّة للاحتلال، 19 يوليو 2024.
  • لجنة التحقيق الدوليّة المستقلّة للأمم المتّحدة حول الأرض الفلسطينيّة المحتلّة، تحليل قانونيّ لسلوك إسرائيل في غزّة بموجب اتّفاقيّة الإبادة الجماعيّة، A/HRC/60/CRP.3، 16 سبتمبر 2025 (رئاسة نافي بيلاي)؛ وبيان المفوّضيّة السامية في اليوم نفسه.
  • منظّمة العفو الدوليّة، تشعر بأنّك دون البشر (ديسمبر 2024)؛ وتصريح أنييس كالامار (17 سبتمبر 2025).
  • الرابطة الدوليّة لباحثي الإبادات الجماعيّة (IAGS)، قرار 31 أغسطس 2025.
  • المحكمة الجنائيّة الدوليّة، مذكّرتا توقيف بحقّ ب. نتنياهو وي. غالانت، 21 نوفمبر 2024.
  • تصريح ي. غالانت (“الحصار الشامل” / “حيوانات بشريّة”)، 9 أكتوبر 2023 — تايمز أوف إسرائيل، ميدل إيست آي، الجزيرة.
  • تهديد ب. سموتريتش (ضاحية بيروت الجنوبيّة “كخان يونس”)، مارس 2026 — الأناضول / والا / ميدل إيست مونيتور.
  • وزارة الصحّة اللبنانيّة؛ اليونيفيل (خروقات وقف إطلاق النار، من نوفمبر 2024 فصاعداً)؛ وتسلسل حربَي لبنان 2024 و2026.
  • في عقيدة الضاحية: غادي آيزنكوت (2008)؛ وأدبيّات العقاب الجماعيّ.
  • الفيتوات الأمريكيّة: القائمة الرسميّة لمجلس الأمن الدوليّ (89 فيتو أمريكيّاً، 51 لصالح إسرائيل، أبريل 2026)؛ Security Council Report؛ وأخبار الأمم المتّحدة (فيتوات وقف إطلاق النار، 2023–2025).
  • جون ج. ميرشايمر وستيفن م. والت، اللوبي الإسرائيليّ والسياسة الخارجيّة الأمريكيّة (2007)؛ والمقال المؤسِّس، London Review of Books، 23 مارس 2006. رأيٌ مقابل: ستيفن زونس وآخرون.

مستجدّات يوليو 2026: – تصريح وزير الدفاع إسرائيل كاتس حول البقاء غير المحدَّد في “المناطق الأمنيّة” (لبنان، سوريا، غزّة)، 1 يوليو 2026 — جيروزاليم بوست، تايمز أوف إسرائيل، الشرق الأوسط، لوريان توداي، ميدل إيست مونيتور، رويترز؛ وموقف نتنياهو من عدم الانسحاب من جنوب لبنان (رويترز). – اتّفاق الإطار الإسرائيليّ اللبنانيّ برعاية الولايات المتّحدة، الموقَّع في واشنطن في 26 يونيو 2026؛ الملحق العسكريّ وإقرار القيادة المركزيّة (تايمز أوف إسرائيل). – أوتشا / ochaopt.org، التحديثات الإنسانيّة (توسّع المناطق العسكريّة في غزّة، قيود الوصول)، يوليو 2026. – وزارة الصحّة في غزّة: أكثر من 73 ألف قتيل، وأكثر من 173 ألف جريح (حتّى مطلع يوليو 2026). وزارة الصحّة اللبنانيّة: 4301 قتيلاً و12199 جريحاً منذ 2 مارس 2026 (حتّى 3 يوليو 2026) — وكالة وفا. عودة النازحين في لبنان: رويترز؛ إعادة إعمار النبطيّة: الجزيرة. – السيطرة الإقليميّة الإسرائيليّة الإجماليّة (نحو 1000 كلم²: غزّة، لبنان، سوريا) — فرانس 24.

ملاحظة: التوصيفات القانونيّة (“إبادة جماعيّة،جرائم حرب”) منسوبةٌ هنا إلى الهيئات التي أصدرتها. ولم تفصل محكمةُ العدل الدوليّة في الموضوع بعد؛ ويبقى التوصيفُ محلَّ نزاعٍ من جانب دولة إسرائيل ومن جانب شطرٍ من الفقه القانونيّ. وهذا النصّ تحليلٌ سياسيّ، لا حكمٌ بإدانةٍ فرديّة.

Read Entire Article

         

        

Start the new Vibrations with a Medbed Franchise today!  

Protect your whole family with Quantum Orgo-Life® devices

  Advertising by Adpathway